ملا محمد مهدي النراقي

69

جامع السعادات

بنصف يوم وهو خمسمائة عام . ( والثالثة ) إذا قال الغني : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، وقال الفقير مثل ذلك ، لم يلحق الغني بالفقير وإن أنفق فيها عشرة آلاف درهم ، وكذلك أعمال البر كلها ، فرجع إليهم ، فقالوا رضينا " . وقال آخرون : الثاني أفضل ، لأن الغنى من صفات الربوبية ، والفقر من لوازم العبودية ، ووصف الحق أفضل من وصف العبد . ( وأجيب عنه ) بأن غنى الواجب سبحانه ليس بالأسباب والأغراض ، وغنى العبد بهما ، إذ هو غني بوجود المال ومفتقر إلى بقائه ، فأنى يكون الغنى الذي يتصف العبد به من أوصاف الربوبية ، نعم الغنى بمعنى الاستغناء من وجود المال وعدمه جميعا بأن يستوي كلاهما عنده يشبه أوصاف الحق ، إلا أنك قد عرفت أنه نوع من الفقر ، وبأن التكبر من أوصاف الربوبية ، فينبغي أن يكون أفضل من التواضع ، مع أن الأمر ليس كذلك ، بل الحق إن الأفضل للعبد إنما هو صفات العبودية كالخوف والرجاء ، إذ صفات الربوبية لا ينبغي أن ينازع فيها ، ولذلك قال الله سبحانه : " والعظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني فيهما قصمته " . وعلى هذا فالفقر أفضل من الغنى . والحق أن ترجيح واحد من صفات الربوبية وصفات العبودية على الآخر للعبد على الإطلاق غير صحيح ، إذ كما ينتقض ترجيح الأولى على الثانية بالتكبر ينتقض العكس بالعلم والمعرفة والجهل والغفلة ، فإن العلم من صفات الربوبية ، والجهل من صفات العبودية ، مع أن الأول أفضل من الثاني ضرورة . والحق أن الأفضل من الفقر والغنى ما لا يشغل العبد عن الله ، فإن كان الفقر يشغله فالغنى أولى به ، وإن كان الغنى يشغله عن الله فالفقر أولى به ، وذلك لأن الغنى ليس محذورا بعينه ، بل لكونه عائقا عن الوصول إلى الله ، والفقر ليس مطلوبا لذاته ، بل لعدم كونه عائقا عن الله ، وليس مانعية الأول وعدم مانعية الثاني كليا ، إذ رب فقير يشغله الفقر عن المقصد وكم من غني لا يصرفه الغنى عنه ، إذ الشاغل ليس إلا حب الدنيا ، لمضادته حب الله تعالى ، والمحب للشئ مشغول به ، سواء كان في وصاله أو في فراقه .